محمود العبطة فـي ذكرى رحيله

المقاله تحت باب  أخبار و متابعات
في 
12/12/2010 06:00 AM
GMT



ظل محمود العبطة طوال حياته الثقافية والمهنية أسيراً لفكرة الحداثة وأنموذجاً حياً لها، وكانت له (وهو المحامي والقاضي والصحفي والورّاق) صفة تميزه عن غيره من شيوخ الأدب وتقربه من الشباب، تلك هي هوايته في اكتشاف المواهب على اختلاف مشاربها وإمكانياتها ومصادرها المعرفية، كان يبحث عنها بمفرده، يطالع الصفحات الثقافية ويتابع ما ينشر في المجلات والدوريات

 وما يقدم في الإذاعة  والتلفزيون ويسأل ويتقصى، تحرّكه في ذلك حاسة الخبير القانوني ثم يصرح وهو يرتشف "استكانات" الشاي في أي من المقاهي التي يرتادها: فلان شاعر جيد، فلان قاص ينتظره مستقبل باهر، سيكون لفلان مستقبل لامع في الصحافة، أي مقال هذا الذي قرأته لك بالأمس، بالإضافة إلى أحكام أخرى من النوع نفسه، تبدو متعجلة أحيانا أو على قدر من المجاملة والمحاباة في أحيان أخرى، ولكن الزمن الذي قد مرّ منذ رحيله)

توفي العبطة في منتصف تشرين الثاني1986 عن66  عاما(حتى الآن أثبت صواب بعض أحكامه وموضوعيتها وإنها قد صدرت عن فهم ماهية العمل الأدبي وأساسياته وخصائصه ولم يحركها الانطباع الآني وحده، وكانت لآرائه وأحكامه من جانب آخر قوة دفع معنوية للشخص المقصود، فلربما دفعته وهو المغمور والهامشي لأن يشعر بالزهو وانه قد فعل شيئا ترك صداه لدى متذوق ومتابع دؤوب وحساس مثل العبطة. ساعده ذلك دائماً على أن يكون قريباً من الشباب، بل وعلى أن يظل شاباً بالروح والفعل وبالموقف أيضاً، كان يردد باستمرار أن الزمن يتغير ولا بد للأدب والثقافة أن يتمثلا المتغيرات ويعبران عنها، وهذا ما جعله على سبيل المثال يصدر كتابه الرائد: بدر شاكر السياب والحركة الشعرية المعاصرة 1965وهو تاريخياً الكتاب الأول الذي صدر عن السياب، في وقت كان فيه الشعر الحديث يسعى على رمال متحركة ويتلقى الطعنات والشتائم من كل جانب.
كان ما يحرك العبطة باتجاه الحداثة ومظاهرها وآلياتها بالإضافة إلى حاسته الصادقة، مبدئيته التي جعلته يرتبط مصيرياً بأحداث كثيرة منذ الأربعينيات التي كان فيها فتياً وحتى الثمانينيات التي أضحى فيها شيخاً-شاباً يجد سعادته في محاورة الشباب والأخذ بأيديهم إلى سبيل يعتقده صحيحا ويؤدي إلى عالم أفضل، كانت مبدئيته ميزة أخرى تجعله يحتد أحياناً وهو الرقيق، ذو الأدب الجم، والدبلوماسي الذي يقارب بين الآراء، كان يغضب حين يتذكر شخصا مارس فعلاً انتهازياً أمامه في موقف ما أو ارتكب خطأ في فصل من قضية ما، أو يستعيد حدثاً في قضية كان هو من شهودها، كان يتبدل في لحظات وتفصح عيناه عن الألم والغضب، في مواقف أخرى كان يصمت ويتجاهل ما يروى أو يلتفت إلى ناحية أخرى، وقد يعقب بعد مزيد من الإلحاح على حدث معين: مولانا، لتخلينا نكشف الأوراق.
كانت لدى العبطة كمية هائلة من الأوراق هي أرشيفه وهي مادة ذاكرته الخصبة، وهي معينه في ما أصدره من كتب وكتيبات وكراسات، بعضها كان مثيرا ومؤثرا في مادته وسبقه التاريخي: القصة القصيرة في العراق 1957، رجل الشارع، الفولكلور في بغداد 1963، الديمقراطية في العراق 1960؛ محمود احمد السيد 1961، رؤساء تحرير الزوراء 1969، الخطيب في تاريخ بغداد 1981 وسواها من الأسفار الموجزة  التي كان يجد متعته في ملاحقتها بين المطابع، ينشرها على حسابه ويقوم بتوزيعها بين المكتبات  ويخسر الكثير من وقته وجهده في سبيل ذلك  ثم يعيد الكرة وهكذا دون أن ييأس ودون أن يتخلى عن حلمه في أن يقول كلمته ويمضي مع راحة القلب والضمير، قلبه الذي خذله وضميره الذي ظل كما يعتقد الجميع نقياً.
أتذكره كما لو إنني ودعته بالأمس، يجلس على الأريكة ذاتها في مقهى "حسن عجمي" يضع قبعة الخوص إلى جانبه ويرتدي بدلته الصيفية الأنيقة (وارتداء البدلة هي إحدى ميزاته أيضاً كبغدادي قح من زمن المدينة الذي أفل) ويضع إلى جانبه حقيبة جلدية أو رزمة من الكتب أو ملفاً ورقياً، يتحدث إلى أصدقائه من الشباب أو يناكد صديقه الأزلي الشاعر الرومانسي شفيق القيماقجي (الذي رحل هو الآخر خلال التسعينيات)، ينكت ويتحدث عما قرأه اليوم من قصائد ومقالات وقصص، يؤشر لما فيها من جديد واستثنائي ومثير، ربما ايضاً سيتحدث عن صديق غائب أو يتحدث عن مأثرة له، وجهه أليف، يشع بالعافية وراحة النفس الداخلية، لمسة أبوية يمكن الإحساس بها في حركته وإيماءاته وفحوى كلامه، وهي ليست لمسة الأب المتزمت الصارم، بل لمسة الأب الصديق خلقاً وسلوكاً...انه يناقش لدقائق ثم يصمت ليتأمل في الماضي أو ليفكر في مقال سيكتبه أو في كراس يعده للنشر، ثم يعود ليعقب على كلمة قالها أحدنا أو ليروي طرفة يقهقه مع تفاصيلها، ثم فجأة يستأذن ويغادر المقهى للمرة الأخيرة، تاركا مكانا شاغرا وذكرى لرجل لا يتكرر.